صفي الرحمان مباركفوري

278

الرحيق المختوم

نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا « 1 » وفيه عن البراء بن عازب قال : رأيته صلى اللّه عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ، وهو ينقل من التراب ، ويقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا قال : ثم يمد بها صوته بآخرها ، وفي رواية : إن الألى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا « 2 » كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ، ما يفتت الأكباد قال أنس : ( كان أهل الخندق ) يؤتون بملء كفي من الشعير ، فيصنع لهم بإهالة سنخة « 3 » توضع بين يدي القوم ، والقوم جياع ، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن . وقال أبو طلحة : شكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ، فرفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن حجرين « 4 » . وبهذه المناسبة وقع في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة ، رأى جابر بن عبد اللّه في النبي صلى اللّه عليه وسلم خمصا شديدا ، فذبح بهيمة وطحنت امرأته صاعا من شعير ثم التمس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سرا أن يأتي في نفر من أصحابه ، فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم بجميع أهل الخندق ، وهم ألف فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا ، وبقيت برمة اللحم تغط به كما هي ، وبقي العجين يخبز كما هو « 5 » . وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغدى أبوه وخاله ، فمرت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب ، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه . وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه ، وإنه يسقط من أطراف الثوب « 6 » .

--> ( 1 ) نفس المصدر . ( 2 ) نفس المصدر 2 / 589 . ( 3 ) نفس المصدر 2 / 588 . والإهالة : الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتا أو سمنا أو شحما سنخة : أي تغير طعمها ولونها من قدمها . ( 4 ) رواه الترمذي مشكاة المصابيح 2 / 448 . ( 5 ) روى ذلك البخاري 2 / 588 ، 589 . ( 6 ) ابن هشام 2 / 218 .